القائد
نحن لا نكتب بالمداد ولكن بدم القلب ... فعذراً إن ظهرت آثار الجراح في سطورنا
مصادمة المسلمات ... هل هي تهمة ؟؟

مصادمة المسلمات .. هل هي تهمة ؟؟

 

كثيراً ما تنعم عقولنا وتزخر بالكثير من المسلمات التي كانت نتيجة للعديد من العوامل والتي ما تؤثر غالباً على الشخص وعلى طريقة تفكيره وآرائه ونظرته للأمور , بل وعلى ألفاظه أحياناً كثيرة . من هذه العوامل على سبيل المثال لا الحصر البيئة التي عاش فيها الإنسان وتربى بين جنباتها , وكما يقولون "الإنسان ابن بيئته" , وكلما كان الإنسان أكثر إلتصاقاً ببيئته وأكثر انعزالاً عن ما سواها  (طوعاً أو كرهاً) , كان أدعى لانغلاقه على نفسه وموروثه وأكثر رفضاً لموروثات الآخرين . ولذلك أصل الإسلام من قبل 14 قرناً من الزمان لقضية الانفتاح على موروثات الآخرين جملة وتفصيلا , ويأتي بعد ذلك دخول هذه الموروثات الوافدة في عملية خلخلة معرفية وحضارية لمعرفة ما ينطبق منها على ثوابتنا وقيمنا "الدينية والأخلاقية" فنقبله ونفيد منه , وما يعارضها فنطرحه جانباً , أو الإفادة منه بتحويره أو تطويره على نحو ما ليلائم موروثنا .

 

وأدبيات الإسلام أكثر دلالة على هذا الأمر , فهو يحث عن طريق نصوصه على بذل الجهد في معرفة ما لدى الآخرين والإفادة منه بقدر المستطاع مع الضوابط السابقة , فيقول تعالى : (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا , اعدلوا هو أقرب للتقوى) . وأتمنى أن لا نفهم العدل هنا بالمفهوم الضيق المختزل وهو ما تصوره لنا عقولنا بأن مكانه في جنبات المحاكم وزمامه بأيدي القضاة , فمفهوم العدل أوسع من ذلك ليشمل سلوكيات الإنسان وتصرفاته وأحكامه تجاه الآخرين , بل تجاه نفسه قبل كل ذلك .

 

ومن هذا العدل تجاه ما يملكه الآخرون من رؤى وأفكار وإن خالفونا في دين أو ملة أو طائفة أو مذهب . يعضد هذا ويسنده ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (الحكمة ضالة المؤمن , أنى وجدها فهو أحق الناس بها) , وما روي عن ابن عمر موقوفاً قوله : (خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت) . إضافة إلى ذلك ماروته السير من أفعال مشرعيه وقادته , فهذا محمد صلى الله عليه وسلم يستفيد من طريقة الفرس في الحروب "الخندق" , وهذا عمر يستفيد من النظام الإداري "الدواوين" الذي كانت دولة الفرس تستخدمه آنذاك .

 

خلاصة القول في هذا هو ما نود التأكيد عليه بأن الإسلام أتى بثقافة الانفتاح قبل أربعة عشر قرناً من الزمان في وقت أصبح الانفتاح على ثقافات الآخرين تهمة جاهزة للتصدير لكل من تسول له نفسه الإتيان بما أبدعته أيدي غيرنا من تقنية أو نظم أو سياسة أو غيرها , وأصبح لفظ "علماني" , "تغريبي" , "حداثي" وصفاً جاهزاً للقص واللصق دون معرفة كنهه والوعي بما وراءه .

خذ على سبيل المثال لا الحصر "جوال الكاميرا" وما أحدثه من ضجة في أوساطنا على أنه البلاء الخطير والشر المستطير حتى منع من الأسواق وأصبح يباع بالخفية , وكأننا لم نستفد من تجربة الصحون الفضائية "الدش" وما صاحبها , وهذه الزوبعة كلها بسبب فتوى أو خطبة أو شريط استغلت الجانب السيء لكي تقضي على الجانب الحسن إلى جانب استغلالها للعاطفة الدينية التي يحملها الناس تجاه "الحلال والحرام" إذا صدرت من "الشيخ" أو "المفتي" أو "طالب العلم" بعد أن نال القدسية الكاملة في قلوب الناس تجاه ما يقوله لسانه أو يخطه قلمه وكأنه المعصوم بعد المعصوم .

خذ أيضاً الجدال الطويل الذي دار حول الدولة المدنية والدولة الدينية وكيف استغل الدين للقضاء على التجارب الناجحة التي وصل إليها غيرنا في وقت كان الدين هو ما يدعو إلى مثل ذلك – وهذا باب واسع لا يتسع المقام للاستطراد فيه .

 

نأتي لصلب الموضوع هنا وهو متى يقال عن المسلمات أنها مسلمات لا يمكن انتقادها أو حتى الحديث عنها أو الخوض فيها ؟؟

في رأيي أن الإسلام ضيق هذه المساحة جداً (مساحة المسلمات أو القطعيات) , وكان هامش الاجتهاد في الدين (فضلاً عن أمور الحياة العادية) هامش كبير جداً . يتضح ذلك مما يقوله الفقهاء والأصوليون من أن مساحة نصوص الشريعة (القرآن والسنة) والتي وردت قطعية الثبوت (من جهة السند) وقطعية الدلالة (من جهة المتن) قليلة جداً ولا تتجاوز 10% من مجموع الدين في مقابل 90% يكون إحدى الطرفين أو كلاهما فيها من ناحية (الثبوت والدلالة) ظنياً , تاركاً بذلك مساحة واسعة من تعدد آراء المجتهدين في مسائل الدين .

فالقرآن – بكامله قطعي الثبوت وهو مما وردنا بالتواتر وما تكفل الله عز وجل بحفظه إلى يوم القيامة , ولكن آياته لم تكن بكاملها قطعية الدلالة . وهذا اتضح في تفسير الكثير من آيات القرآن والتي تتعلق بالقضايا الفقهية مثل مسألة "العدة" والاختلاف في لفظ "قروء" الواردة في الآية الكريمة [والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء] فكلمة" قروء" اختلف الفقهاء في تفسيرها هل هي الحيض أم الطهر – الأحناف قالوا إن القرء يراد منه الحيض والشافعية قالوا إن المراد منه الطهر وكلا الأمرين صواب والعرب تستخدم القرء للحيض وللطهر (على الرغم من أن العدة ستزداد باختلاف معنى "القرء"). وما ورد عن علي رضي الله عنه حينما بعث ابن عباس ليحاور الخوارج فقال له : جادلهم بالسنة ولا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال أوجه .

أما السنة – فينطبق عليها نفس الكلام سوى أنها لم تكن جميعها قطعية الثبوت بل ورد منها الصحيح والصحيح لغيره والحسن والحسن لغيره والضعيف والمقطوع والموضوع ... وغير ذلك , أما من ناحية كونها قطعية الدلالة فينطبق الأمر بذاته عليها , والشواهد من السنة أوسع من أن تحصر ولك أن تتخيل المذاهب الأربعة ومدى الاختلاف فيما بينها – وهي التي يسير عليها أغلب المسلمين اليوم .

 

نصل من هذا إلى أن المسلمات في الدين محصورة جداً والهامش الذي يقبل الاختلاف واسع جداً من رحمة الله عز وجل بنا , فما بالك فيما عدا أمور الدين مما هي اجتهادات بشرية صرفة قابلة للخطأ وقابلة للصواب ..!! أفيصح بعد ذلك أن نطلق عليها أنها مسلمات ونكتب بجانبها "خطر ممنوع الاقتراب" ؟ ونسفه رأي كل من أتى ليناقشها أو أن يبدع غيرها أو أن ينتقدها أو يرى بضرورة مراجعتها أو يرى أنه قد عفى عليها الزمن ...!!!

هل حان الوقت الذي نغلف فيه آرائنا الشخصية ووسائلنا في العمل الدعوي بغلاف الصواب المطلق ونضفي عليها طابع القدسية حتى إذا ما جاء من ينتقدها أو يرى ما هو أفضل منها قلنا له : قف مكانك فالطريق مسدود وذاك أمر دونه خرط القتاد ... !! لا أظن هذا من الإنصاف

إبراهيم عليه السلام حاور النمرود وهو يشكك في ربوبية الله ..

والله عز وجل على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يقول للكافرين (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ..

ويقول سبحانه مخاطباً الكافرين بالحجة والإقناع : (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون)

ويقول تعالى : (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)

 

نريد صراحة أن نخرج من حيز المفهوم الضيق للنقد بأن المراد به الانتقاص من الآخر , أو إبراز السلبيات فيه , إلى منهج عمر رضي الله عنه : (رحم الله إمرءا أهدى إلي عيوبي)

نريد أن نخرج من المفهوم الضيق والمبتور للمنتقدين بأنهم أعداء العمل , وأنهم يحسنون الكلام ولا يحسنون العمل , إلى منهج عمر رضي الله عنه : (لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها)

نريد أن نحرج من محاربة الانتقاديين ورميهم بالبلبلة والسلبية إلى حيز تفعيلهم والسماع منهم حتى وإن خالفونا في كل ما نقول وإن انتقدونا في كل عمل نعمله , كما قال الشاعر :

فاعمل بقولي وغض الطرف عن زللي

                                                        ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري

علينا أن نعلم علم اليقين أن الأجواء التي تحارب المنتقدين من داخلها والداعين إلى مراجعة الوسائل والأهداف سيأتي عليها يوم تكون فيه خالية منهم وحينها ستتآكل وتتكلس كنتيجة طبيعية لفقدها هذه الروح التي تبقيها حية ومنتعشة , كثير من أجوائنا للأسف دخلت في حالة الموت السريري والإغماءة طويلة الأجل ولا أدري متى موعد الإفاقة منها ..؟؟؟  آمل أن لا تكون طويلاً .

 

هي إشارات وبوح خاطر كانت من طول معايشة وعمق تأمل أسرجتها لكم بعد أن رأيت مقاومة للتغيير لا تقوم على أصول ولا على منهج علمي سوى أن للقديم أصالته ومنطقه الذي يلغي أو يحارب كل حركة تجديدية ترى أن في الجمود على الموروث تمسكاً غير مبرر طالما أن هناك ما يفوقه إبداعاً وإنتاجية .

 

بدأت ظاهرة التسرب تزداد في أجوائنا دون أن يكون لها نصيب من الدراسة , ولا أظن أننا سنتنبه لهذه الحالة إلا حينما تصبح مشكلة ويتسع الخرق على الراقع , حينها لا ينبغي أن نلوم إلا أنفسنا ولات حين مندم ...!!

 

ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية