القائد
نحن لا نكتب بالمداد ولكن بدم القلب ... فعذراً إن ظهرت آثار الجراح في سطورنا
ترسبات النظرة الأولية

ترسبات النظرة الأولية

كثيراً ما تؤثر بعض العوامل في أحكامنا على الأشخاص أو على الأفكار , وهذا في حد ذاته طبيعي إذا كان لدرجة معينة (كأن يكون لمجرد أخذ انطباع عن الشخص أو الفكرة فقط) ولا يكون هذا العامل سبباً للوصول إلى نتيجة شبه نهائية – وأقول شبه نهائية مجازاً- وإلا هي نهائية ولا تقبل المراجعة أصلاً ...

وكما قيل (كلا طرفي الأمور ذميم) و (لا إفراط ولا تفريط) والقاعدة الفقهية جاءت لتؤصل ذلك فقالت "لا ضرر ولا ضرار"

تعاطينا مع مسائل تحجير العقول هو نفس تعاطينا مع مسائل تحرير العقول

وهو أننا دائما في معالجة طرف ننتقل فوراً إلى الطرف الآخر , دون أن نرى ما لذلك الطرف من آراء وانتقادات

وحينما نكلف أنفسنا عناء النظر في تلك الآراء تتبقى ترسبات النظرة الأولية وهي :

  • النظر لموقع الشخص من خارطة العمل - وبناء على ذلك ننتقد آراؤه فهو إن كان من أصحاب السبق والخبرة (كانت نظرتنا الأولية له أن ما يقوله صحيحاً ويأتي بعد ذلك هامش صغير جداً "قد لا يذكر" باحتمالية أن يكون على خطأ") , وإن كان من المبتعدين لسبب أو لآخر (كانت نظرتنا الأولية له أن ما يقوله هو الخطأ المحض مع وجود الهامش المهمل لصغره في احتمالية صواب ما يقول)
  • عداء المواقف - وهي أنه قد يكون للشخص صاحب الفكرة أو النقد موقف سابق مع النادي أو مع الجماعة (فتحملنا نظرتنا الأولية إلى استجلاب واستدعاء الماضي والمواقف السابقة وتكون بمثابة العدسة التي ننظر له من خلالها) فيكون حكمنا عليه متأثراً بهذه النظرة
  • الآبائية - وهي "إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" (فتكون نظرتنا الأولية متأثرة بما تواطئت عليه عقولنا وبما اتسقت عليه مع من سبقها وبالهيئة التي جئنا ووجدناها كما هي) - وبالتالي مقاومة التغيير قد تكون بمثابة الحكم المسبق الذي يرفض ما يستجد عليه

يقولون : «بين الحقّ والباطل أربعة أصابع ، الباطل أن تقول سمعت والحقّ أن تقول رأيت»  والله عز وجل في القرآن الكريم ينهى عن التصديق الخالي من التثبّت والتحقيق (يا أ يُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) والتبين هو التدقيق والتوثيق قبل التسليم والتصديق .

لا أظن أنه من العدل أخذ الكلام على عواهنه وإلقاء الأحكام على علاتها , بل الواجب السؤال وتحري الدقة لكي يبدو لنا ماوراء الأكمة التي دائماً ما ننصبها عمداً أو جهلاً لتخفي ما وراءها ...

ولذلك لا بد من طرح الأسئلة لكي يبدو ماوراءها :

مَنْ هو القائل ؟
وماذا قال ؟
ولماذا قال ذلك ؟
وأين قاله ؟ ومتى ؟
ومَنْ كان شاهداً على ما قال ؟ وكيف قاله ؟ أي في أيّ سياق جاء ؟ .. إلخ

وفي الختام أنا أرى أن هذه من القيود التي تحد التفكير , وتخرج بنا من نطاق نقاش الفكرة إلى الجزئيات المصاحبة لها .

وقد تكون الفكرة في ذاتها صحيحة , ولكن تأثرنا ببعض العوامل السابقة تكون نتيجته رفضنا لها جملة وتفصيلا .

الرسول عليه الصلاة والسلام ناقش الوليد بن المغيرة متحرراً من كل ذلك فأرعى سمعه للكافر وإغراءاته التافهة مقابل شرف الرسالة التي يحملها بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ...

ما أحرانا أن نقتدي ...

لمن أراد الاستزادة كتاب "تجديد الوعي" - للدكتور البكار



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية