الصحوة وهموم المجتمع
هذه مناقشة كانت بيني وبين أحد الإخوة الأعزاء الذي كان ينتقد الصحوة انتقاداً لاذعاً , وكان يرمينا بقوله "أنتم معشر الصحويون" , وقد كان يتسائل عن ماذا قدمت الصحوة منذ بداية ظهورها إلى الآن ..؟؟
هو سؤال وجيه في نظري ويستحق المراجعة والأخذ والرد ولا بد من مؤشرات حقيقية يقاس بها العمل الإسلامي ومدى فاعليته في أوساط المجتمع , إضافة إلى التساؤلات التي تثار بين الفينة والأخرى عن ما هية الأهداف التي تسعى الصحوة من أجل تحقيقها ؟؟ وماهي الوسائل التي تتبعها لتحقيق هذه الأهداف ؟؟ وهل الصحوة متماشية مع ذلك كله أم أنها تعيش على أنغام الماضي وعلى تضحيات السابقين من أبنائها؟؟ في وقت أصبح هدف إعادة الخلافة الإسلامية الذي لازال يتغنى به البعض ضرباً من العبث والقفز على الواقع ...
فالجماعة التي لا تستطيع إدارة مجموعة من أفرادها واحتواءهم أنى لها أن تدير دولة (أو مجموعة دول) إسلامية ...؟؟؟
وأنا حينما أتكلم عن الصحوة لا أقصد بها حزباً معيناً أو جماعة معينة ..
فمن الذي يستطيع أن يحتكر الصحوة ؟؟ في وقت أصبحت منساحة على كل الصعد – مع التأكيد على حاجتها للترشيد والتقويم وتحديد الاتجاه (ولي مقال قريب في هذا الجانب) ...
هي في نهاية المطاف أسئلة تحتاج إلى إجابة شافية بعيداً عن التجاهل وبعيداً عن الاستخفاف بالعقول على طريقة (نحن متعبدون بالعمل وليس بالنتيجة) وطريقة (أن هذا الدين منصور وغالب) و (القافلة سائرة بك أو بغيرك) , فنحن نعرف هذه جيداً ومؤمنين بها حتى النخاع – لا يجادلنا أحد في ذلك – ولكن أن تستخدم للتخدير ولمصادمة الواقع الذي يريد مؤشرات نجاح ونقاط تقييم ومراجعة ونقد فهنا سيكون هناك مشكلة ستنتهي باختيارأمرين أحلاهما مر ...
من الأسباب التي أخرت الصحوة كثيراً في نظري وخرجت بها عن مسارها المطلوب مايلي :
أولاً : الاختلاف الذي يفسد للود قضية
تتعدد أطياف الدعاة إلى الله في كل قطر ومصر , وتتعدد المشارب التي يستقون منها أساليبهم وطرائقهم في الدعوة إلى الله ... إلى هنا لا توجد مشكلة ولكن توجد المشكلة عندما نحتاج أن نتعاون فيما بيننا , توجد المشكلة حينما لا يوجد تأصيل لفقه الخلاف بين شباب الصحوة , والتي غالباً ما ينقلب تنافسهم على الخير إلى عداء تتحول معه القلوب إلى مناطق مجهزة لحمل الضغينة والحقد على الآخر بسبب غاية نبيلة (تنافس على الخير) ووسيلة خسيسة (من غيبة وقذف للآخر واستعداء الآخرين عليه واستحلال عرضه بالقذف والشتم) وهذا الأمر أوضح لذي عينين ممن هو معايش لواقع شباب الصحوة أقول غاب عنا وعن مشائخنا الفضلاء طرح "فقه الاختلاف" و تأصيل "اختلاف التنوع" لا "اختلاف التضاد" الذي أمسى ديدن الشباب المتحمس ممن لا ينظر أبعد من أرنبة أنفه
يقول الله سبحانه وتعالى
(ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم)
ويقول البوصيري
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غرفا من البحر أو رشفا من الديم
متى نصل حقيقة إلى أن "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" ...؟؟ - قبل أن تكون مجرد عبارة نحسن دندنتها دون أن نحسن تطبيقها
متى نصل إلى أن نعرف العدو المشترك الذي يفرحه ما نحن فيه من عداء وصراع ...؟؟
متى نعي أن الدين يسعنا جميعاً ...؟؟
يخبرني أحد الشباب أنه رأى اثنين مختلفين في مسألة هل يشرع للمصلي أن يرفع يديه للدعاء بعد الرفع من الركوع أم لا , في الوقت الذي كانت فيه إيران تطلق تجربة جديدة من تجاربها الصاروخية بعد أن طورت قدرتها إلى مدى أبعد من المدى السابق
أليس هذا مما يحزن القلب ؟؟؟
أليس من المخجل أن تكون ساحات الصراع المساجد والمراكز الإسلامية والتحافيظ – التي يريد الكل أن يوظفها لتحقيق لتحقيق الأجندة الحزبية التي لا يعلم ماوراءها إلا الله – في مفهوم مبتور ومشوه لقيمة لتنافس على الخير
الثانية : تشتت جهود العاملين في ميدان نهضة الأمة
وكما قلت هذه منبثقة من النقطة الأولى , فعندما لا توجد نقاط إلتقاء تجمعنا فمن البديهي والطبيعي جداً أن لا تتوحد جهودنا , وكيف يرتضي أحدنا أن يعمل مع الآخر وذاك يعمل الليل والنهار لإسقاط مشروعه والإطاحة به , بل إن أفراد الحركة الواحدة والفكر الواحد أصبحوا شيعاً وطوائف فهذا لديه انتقادات حادة لجماعته وذاك لديه ردة فعل من تصرف فردي لقائد أو مسؤول والآخر يعارض الجماعة في آرائها وبرامجها وأصبح كل من لديه شيء من هذا أو غيره , يستأثر بنفسه وينشق من الصف ويكون بعد ذلك أداة لزعزعة استقرار الجماعة والصف دون أن يساهم بالإصلاح وهو في داخل الصف بل يستأثر بالهروب مخلفاً وراءه من يعمل ويخطيء وهو في كل الحالات أفضل ممن لا يحسن إلا الكلام (وأستثني من ذلك من حاول جاهداً الإصلاح ولم يجد إلا الصدود والعقليات الجامدة – فهذا خروجه أولى من بقائه والعمل للإسلام ليس حكراً على أحد)
أقول متى ما غاب مشائخ الصحوة عن ترشيدها ورسم المسار الذي لا عوج فيه ومتى ما أصموا آذانهم عن الأصوات التي تتعالى يوماً بعد يوم منادية بمراجعة الوسائل والأهداف ومواكبة العصر في أدواته وتحولاته التي طالت دولاً بأسرها (ونحن لازلنا نشعر أننا في مأمن عن حوادث الدهر) ومتى ما خجلنا أن نطرح قضايانا بكل شفافية ووضوح حتى وإن كان سينالنا منها بعض الألم ونجاهد في سبيل أفكارنا ومبادئنا فلا ننتطر أن يقوم لنا مشروع نهضوي يعمل الجميع تحت مظلته لإعادة مجد الأمة ونصرة الدين
هذه نظرتي وقد عايشت واقعاً فلست أطلقها جزافا , أو كلمات مجنحة وليدة أحلام يقظان
فالصواب من الله والخطأ بعد المجادلة والنقاش والمماحكة يهتدي إلى الصواب








